الجمعة، 20 مايو 2011

عـلـى مـشـارف الـوطـن !!



                                                        على مشارف الوطن 

الآن ، يفصلني أقل من أسبوعين للعودة إلى الوطن ! تعود الذاكرة بي سريعا لتلك اللحظة التي اتخذت فيها قرارا أو شبه قرار بمغادرة فلسطين لقضاء خمسة أشهر تعليمية في مدينة لوند السويدية .

كذبوا من قالوا لك إنّ الوطن هو الهوية والانتماء ، إنـّني اليوم أدرك أنّ الوطن هو الروح والهواء ، الأرض والسماء ، هو أن تكون أنت !
لم يكن اتخاذ القرار هو الأمر الصعب بل أن تتحمّل مسؤولية نفسك وروحك التي ستحملها لوحدك بعيدا عن الأشخاص الذين اعتدت أن تشاركهم همومك وأحلامك ، أن تـُشاكسهم وتـُغضبهم ، أن تعيش كلّ التناقضات الممكنة معهم .



بعيدا عن الوطن ، تصفعك حقيقة البـُعد ، تـُدمي قلبك مرارة الغربة ، حتى وإن كانت غربة مؤقتة ؛ إلا أنها إذا ما حاولت تناسيها في خضّمها تراها تدور حولك تـُذكّرك أنّك غريب الروح والهوى هـُنا .
الآن ، وأنا على مشارف العودة تتسلّل إلى ذاكرتي رائحة القدس وشوارعها وتوابلها ، أصوات المارّة فيها ، تـُغريني تناقضات مدينة لم يسعها مقعدها في التاريخ ؛ فقد ضاق بها وبأحلامها وبألم ناسها .



كم أشتاق لرحابة صدر هذه المدينة ، التي تفتح ذراعيها مُرحّبة بكلّ زائر ، ويـُلحّ السؤال عليّ ، كم يلزمك يا لوند كي تكوني مثل القدس !!؟ لا أقصد بالتاريخ ولا الأبطال ، بل بالقدرة على استيعاب الآخر ، كم أزعجتني نظرات سكّانك المتربّصة والمتسائلة ، ماذا تفعل فتاة محجّبة في شوارعنا !؟

هذه الفتاة المحجبة ، كم من مرّة اجتاحتها رغبة جامحة بالصراخ عاليا والقول : يا أنتم ، إنّ لي مدينة أحلى من مدينتكم ، قلبها أحلى وناسها أطيب ، يرحّبون بضيوفهم ولا يتوجّسون منهم خيفة !
ولعلّ كلماتي الباكية هذه ، توحي لقارئها أنّ الفتاة المحجبة هذه لم تـُحبب لوند ! لا ، فقد كانت لي وطنا بديلا على الرغم من كلّ شيء ، فالإنسان بعيدا عن لائحة انتماءاته التي كبـُر واعتاد عليها ، يصبح بفطرته راغبا بلائحة انتماءات جديدة ولو مؤقتا ، تـُنير له عتمة قلب أدماه البعد وأتعبه الشوق !

كان والدي يـُلحّ عليّ في كلّ مرة أحدثه فيها أن أكتب يومياتي هنا ، كانت الفكرة مقبولة ، لا بل لازمة ، لكنّ أمرا ما كان يمعني من هذا ، علّي كنت أتناسى يوما بعد يوم تلك الأيام التي تفصلني عن الوطن والأهل والأصدقاء والقدس ! أو علّ التجربة الجديدة كانت قد أخذت حروفي مني ! أو أنّي استسلمت لكسلي كما دائما J

ولم تكن الايام وتفاصيلها هي المهمّة باعتقادي ، بل التجربة بأكملها ، تجربة البعد والاغتراب وتحمّل المسؤولية ، أن تقف أمام نفسك بصراحة متناهية وتقول : أريد أن أكون أنا ، كما كنت هناك سأكون هنا ، لكن مع اتخاذ الفارق الجغرافي بالحسبان طبعا !

                                                     وللمطر الحضور الأقوى !!



لا يـُسعدني شيء كما المطر ، فهو بالنسبة لي ، عودة الأنا إلى الجسد ، وحقيقة غابت عن الروح ، وحلم ضاع في ضجـّة المدينة ، وهو أنا بكلّ الصدق الممكن والمتاح للقلب !
في الوطن ، كانت إذا ما أمطرت سماء فلسطين وأنا بعيدة عن البيت ، شعرت بغربة ما تلفّ روحي ، وصرتُ أقرب إلى البكاء منّي إلى الاستمتاع به ! وهنا ، كم من مرة أمطرت سماؤك يا لوند ، وكانت تـُلحّ عليّ مشاعر الغربة والاشتياق والوحشة ، لكنّك تجد نفسك مرة تلو الأخرى ، تتأقلّم ، تشكّل وطنا ما يليق بذاكرتك وبمكانة مدينتك في قلبك .

ومهما أبعدتنا المسافات ، تبقى فلسطين وردة لا تذبل وشمعة لا تنطفئ ، وماء لا يجفّ .




6 التعليقات:

Unknown يقول...

رائعة أنتِ يا صديقتي...

اذهلتني ..
كيف سمح لكِ قلمك ان يحرمنا هذا الابداع

،،
بعيدا عن الوطن ، تصفعك حقيقة البـُعد ، تـُدمي قلبك مرارة الغربة ، حتى وإن كانت غربة مؤقتة ؛ إلا أنها إذا ما حاولت تناسيها في خضّمها تراها تدور حولك تـُذكّرك أنّك غريب الروح والهوى هـُنا . ،،


لامست شغاف قلبي وروحي

نشتاقكِ جدا ..

آية شقيرات يقول...

صديقتي ، أحيانا تقف أقلامنا بعيدا ، كي ترى العالم بوضوح ، علّها تفهم ، فتزاول الكتابة من جديد .

أشتاقك بحجم السماء يا رائعة
:)

عهود النتشة يقول...

صديقتي.. تدوينة اكثر واكثر واكثر من رائعة

كلماتُكِ استقرت في الصميم.. القُدس تشتاقُ لكِ بحجم اشتياقِكِ لها بل وأكثر

دُمتي للقُدس

آية شقيرات يقول...

عهود يا رائعة

هي القدس لأجلها ترخص الأرواح ,, فما بالك ببعض الكلمات التي تعيدنا إلى الحياة

تحيّتي يا صديقتي :)

Dalia Abuhilal يقول...

كَيف تعانق الشمس مغيب البلاد
هكذا هي كلماتك تعانق الوطن فيني
أبدعتي يا غالية ..

المحامي الدكتور يوسف عبد الحق يقول...

تحياتي آية

كم أنت متمكنة من تفجير الحرف مشاعر وقناعات
لست أدري لم توقفت عن الكتابة
مع التقدير والحب

إرسال تعليق